سنة ١٩٦٤ م ، شهدت جزر زنجبار ، جنوبيَّ القارة الأفريقية ، ثورةً حصدت أرواح ألاف الزنجباريين ذوي الأصول العربية كالعُمانيين و اليمنيين الذين تملكوا أفضل الأراضي و سيطروا على مفاصل الحياة الاقتصادية و السياسية . هذه الثورة ، قام بها مسلمون ضدَّ مسلمين ، و حتى لو تَدَخَّلَتْ فيها أصابع خارجية ، فإنها كانت نتيجةً موضوعية لأخطاء و أحقاد تراكمت خلال قرنين في نفوس الأغلبية الأفريقية في الجزيرة .
و في سورية ، نخطئ كثيراً إذا أهملنا الجانب الطائفي في الثورة ، لأننا بذلك نؤجِّلُ مواجهة الحقائق و نترك بذورها تنمو لتدمر المستقبل . فالصراع الحالي واضح المعالم ، فهو بين شعبٍ أغلبيته سُنِّيَّةٌ و أقلية طائفيةٍ علوية . و بين الاثنين ، مسيحيون و دروز و إسماعيليون و إثنا عشرية ينحاز معظمهم إلى الثورة . و من السُّنَّة ، قسم لا يستهان به مع النظام ، و من العلويين قسم مع الثورة .
الحديثُ الطائفيُّ ممجوجٌ و لكنه أضحى واجباً علينا ، لأنَّنا نناقش المستقبل . فالطائفة العلوية استولت على معظم المناصب المهمة ، و تحكمت بالاقتصاد و لكنها لم تكن كالزنجباريين العرب مؤهلةً حضارياً و فكرياً و سياسياً لذلك . و إنما اتَّسَمَ أبناؤها المحسوبون على العصابة الأسدية بالهمجية و الغوغائية فكانوا كاللصوص الذين وجدوا فرصة للنهب و القتل ، فنهبوا سورية و أفقروا شعبها و استمالوا بعض أبناء الطوائف الأخرى لتجميل شكل النظام .
و لكن ، ماذا عن السنة و سواهم ؟ . بالطبع ، لم يكن الجميع ملائكة ، فمعظم الناس استناموا للفساد الـمُسْتَشْري و أصبحوا يتعاملون وفقاً لقِيَمِهِ و أخلاقه ، لكن جذوة الطائفية كانت مستشرية في النفوس رغم ذلك ، و تنتظر اللحظة المناسبة لتتحول إلى نار محرقة ، لأنَّ الحقد كان كبيراً على الطائفة العلوية التي تسبب المحسوبون عليها بما وصلت إليه سورية من انحطاط و دمار اقتصادي و مجتمعي .
و حاولت العصابة الأسدية أن تفرق السوريين ، عبر تمزيق الوشائج الوطنية . فالمنطقة الجنوبية تراكمت فيها الكراهية بين الحوارنة السنة و الموحدين الدروز خلال العقود الأربعة المنصرمة . ولكن الموحدين ، كعادتهم ، لم يكن يُنتظرُ منهم إلا الفزعة لسورية فصاروا بعد الثورة إحدى واجهاتها المشرقة . أما المسيحيون في المنطقة الجنوبية ، و هم من أصول عربية قحة ، فكانوا منذ البداية مع الثورة .
و في المنطقة الشرقية ، لعب النظام على الوتر المناطقي ، زارعاً الكراهية بين أهل الرقة و دير الزور ، فكانت النكات المؤذية المتداولة عن أحدهما تنتشر في منطقة الأخرى و بين سكانها . إلا أنَّ الروح الوطنية جمعتهما مرة أخرى كاسرةً حواجز الكراهية.
و في الشمال الغربي ، تم عزل أهل إدلب نفسياً عن محيطهم عبر الحط من قدرهم في النفوس بالحديث عن كونهم أدوات أمنية صغيرة في سورية ، و أنهم فلاحون فقراء لا يمتازون بالتحضر . و هذا الأمر كان ملاحظاً في تحامل أهل حلب عليهم و شعورهم بأنَّ الأدالبة مجرد أُجراء لا شأن لهم . و لكن الثورة مَيَّزت إدلب و أظهرت معدن أهلها ، فكُسِرَ الحاجز النفسي .
و في حمص المدينة و ريفها ، اللذين لا يمتازان بمقومات اقتصادية كبيرة ، فإنَّ النظام حاول تقزيم الغالبية السنية اقتصاديا ، و تَغَوَّلَ عليها أبناء الطائفة العلوية المحسوبون على العصابة . و لما هَبَّتْ حمص ثائرةً كان الثمن البشري و الحضاري و الاقتصادي كبيراً في صفوف السنة ، لذلك ستكون حمص ، المحافظة ، العقدةَ في مستقبل سورية لأنَّها ستكون ساحة تصفية الحسابات الطائفية .
أما حماة و بانياس ، فالحديث الطائفي عنهما يطول ، و تاريخه فيهما حالكٌ يعرفه السوريون و سواهم .
و في الشمال الشرقي ، أسهم النظام في تخليق حالة من الشوفينية القومية في نفوس السوريين الكرد ، فصار طرفاً في النزاع بينهم و بين العرب من سكان المنطقة ، و هذا ما سنناقشه في قراءة منفصلة قريباً .
و أخيراً ، نأتي إلى دمشق و حلب ، اللتين كان لأهلهما نصيبٌ كبيرٌ من الحقد الوطني . إذ سعى النظام لجعل السوريين يرون في الشامي و الحلبي إنسانيين لا هَمَّ لهما إلا اكتناز المال و السعي لاقتناص اللذات . و لكن خابت مساعيه لأنَّ أبناء المحافظتين أثبتوا أنهم روح الوطن السوري ، و كانت تضحياتهما كبيرةً جداً .
و نعود إلى العلويين ، فهم في معظمهم فقراء كسواهم من أشقائهم السوريين ، و لكنهم بحكم الشعور بالتهديد بالموت ، و الاقصاء و العزل ، صار جزء كبير منهم مع الفرعون .
الجميع في سورية ضحايا لسياسات النظام ، و الجميع في السابق شاركوه في البقاء و الاستمرار على نهجه التخريبي الفاسد ، لذلك ينبغي الحديث عن حالة وطنية تجعل تمثيل الشعب في النظام السياسي المستقبلي متكافئاً مع تمثيل فئاته كلها في أحزاب و تنظيمات . و نؤكد على الحالة المدنية الحضارية للتمثيل السياسي ، و لا نقول بالقوة و الأكثرية الطائفية ، لأنَّ في كل طائفة مجموعات و أفراد لهم أفكار و رؤى مختلفة .
أجل ، الصراع طائفي لأنه محكوم بنظام طائفي و ليس لأن الشعب السوري متطرفٌ و متشدد مذهبياً و طائفياً . فلو زال السبب فإنَّ النتيجة ستكون دولة مدنية تعددية ترعى الحريات السياسية و المدنية ، و تُنَمِّي و ترعى ابداعات إنسانها المواطن في الفكر و العلم و الفن . و لن يكون للتميز الطائفي موضعاً لأنَّ الجيش سَيُبْعَدُ عن السياسة ، و ستكون المؤهلات و الكفاءة السبيلَ لشَغْلِ المناصب .
المشكلة الطائفية و أي مشكلات أخرى سببها وجود العصابة الأسدية ، لذلك ينبغي زوالها لتنعم سورية و السوريون بالحياة الإنسانية الكريمة
ناصر طلال
المركز الإعلامي السوري المركز الإعلامي السوري | Syrian Media Center
